مشاهدة النسخة كاملة : أبحاث زراعية.... المنظمات الأهلية


Eng Abu Yazen
19-09-2007, 10:32
المنظمات الأهلية: http://illiweb.com/fa/i/smiles/icon_question.gif

لقد كانت الخدمات الزراعية، قبل فترة الحكم الذاتي الفلسطيني، ولا زالت الى حد بعيد، ضعيفة، بل وشبه معدومة في بعض المناطق، كما في منطقة طوباس (أكبر المناطق الزراعية الفلسطينية) والغور الشمالي وقرى منطقة قبلان (قضاء نابلس) في الضفة الغربية(108). إذ لا وجود لخدمات القروض الزراعية الميسرة والتسويق الزراعي والتعبئة والتغليف وتوفير الآلات الزراعية البسيطة، فضلا عن عدم توفير المدخلات الزراعية (أسمدة، بذور، أشتال…الخ) بأسعار مخفضة. كما ان جهاز الارشاد الزراعي ضعيف جدا وغير منتشر في العديد من المناطق. وهناك، إجمالا، غياب في الاهتمام والدعم الفعليين للمزارع. ناهيك عن انعدام أي نوع من تعويض المزارع عن الخسائر التي يتكبدها سنويا، بسبب الممارسات الاسرائيلية، أو بسبب كساد المحاصيل التي لم تسوق أو نتيجة للكوارث الطبيعية.



وفي ظل هذا الواقع التنموي الزراعي البائس، عملت بعض المنظمات الفلسطينية غير الحكومية (اتحاد لجان الاغاثة الزراعية، مركز العمل التنموي/"معا"، اتحاد العمل الزراعي وغيرها) ولا زالت تعمل، على سد بعض الفجوات الخدماتية، في مجالات التدريب والارشاد الزراعيين، إقراض زراعي (متواضع)، استصلاح مساحات محدودة من الأراضي، شق بعض الطرق الزراعية، حفر بعض آبار وخزانات الجمع. فضلا عن توفير بذور وأشتال الخضروات والأشجار المثمرة بأسعار مخفضة. كما هناك محاولات متواضعة من قبل بعض المنظمات الأهلية (كالاغاثة الزراعية و"معا")، لتدريب المزارعين والمهندسين والمرشدين الزراعيين على الممارسات والتقنيات الزراعية العضوية والصحية والبيئية السليمة وقليلة المدخلات الخارجية، مثل الحصاد المائي، التشتيل والاكثار، تقنيات تحضير "الكومبوست"، الأعشاب الطبية، الزراعة العضوية، إدارة وإعادة استخدام المياه وتصميم الحدائق المروية على المياه الرمادية.

كما تعمل بعض المؤسسات الأهلية على توفير المعلومات في المجالات الزراعية وإدارة المياه والمشاريع الانتاجية وغيرها، فضلا عن محاولة التأثير على القرارات والسياسات الزراعية الرسمية. إلا أنه، من غير الواضح، مدى جدوى وفاعلية هذه النشاطات فعليا على الأرض، من حيث حجم الفئات المستهدفة والمستفيدة من هذه النشاطات ومدى قدرة المؤسسات على الوصول الى فئاتها المستهدفة ومدى عدالة توزيع الخدمات ومدى تبني المؤسسات غير الحكومية لنشاطات لا تقوم بها السلطة الرسمية وطبيعة علاقة هذه المؤسسات بالفئات المستفيدة ومدى مشاركة هذه الفئات في صنع قرارات المؤسسة و في أنشطتها(109).



بالاضافة، وفي غياب مراكز أبحاث زراعية (رسمية أو غير رسمية) متخصصة في الضفة والقطاع، أنتجت بعض المنظمات غير الحكومية (كمؤسسات "أريج" و"معا" والاغاثة) عددا محدودا من الأبحاث الزراعية، وأصدرت بعض النشرات الزراعية الارشادية، فضلا عن الملاحق والصفحات الزراعية في الصحف المحلية.



وبالاضافة لقيود المنظمات الأهلية المالية، تعاني الأخيرة من نقص في الكادر التنموي الماهر والمدرب والمجرب والمتعاطف، فعليا، لا نظريا، مع معاناة وآلام الفلاحين، الأمر الذي يعتبر معيقا أساسيا امام توسع وانتشار هذه المنظمات، أفقيا وعموديا. ناهيك أن المؤسسات الرسمية والحكومية، كثيرا ما تتعامل مع المنظمات غير الحكومية باعتبارها منظمات هواة عابرة. وبدلا من التعاون كشركاء متساوين، تحاول السلطة (الحكومة) أحيانا، تحجيم هذه المنظمات أو دمجها بها أو تحويلها الى مجرد فروع تابعة لأجهزة الارشاد الزراعي الرسمية.

على أي حال، امتازت بعض المنظمات الأهلية الفاعلة في القطاع الزراعي، ولا زالت تمتاز، في اتباعها منهجية التدريب أو الارشاد الزراعي بالمشاركة (مع المزارع)، وتشخيص الاحتياجات البحثية من خلال مشاركة المزارعين أنفسهم، فضلا عن تطبيق أسلوب مراقبة وتقييم التقنيات الزراعية الجديدة.



وبسبب المعيقات المالية ومحدودية وضعف وأحيانا غياب الخدمات الزراعية المقدمة للمزارعين (خدمات الارشاد والتدريب الزراعي، خدمات التسويق والتعبئة والتغليف وتوفير آلات زراعية ومواد وأشتال بأسعار منخفضة، القروض والتمويل وغير ذلك) فان تطوير علاقات التعاون بين المنظمات الأهلية والمؤسسات ومراكز الأبحاث الزراعية الرسمية، يصبح أمرا ضروريا. إذ بامكان المنظمات الأهلية سد الفجوة الناتجة عن ضعف الخدمات الزراعية، وخاصة في مجال توفير وتوزيع بعض المدخلات الزراعية كالبذور البلدية وغيرها، أو تقديم الارشادات والخدمات التقنية، أو تطوير التقنيات الزراعية المستخدمة من خلال مشاركة المزارعين أنفسهم في تجربة بعض التقنيات وتقييمها. علما بأن مقياس مدى نجاح نظام تقني زراعي معين يفترض أن يكون من خلال أداء المزارعين وكيفية وجدوى استخدامهم لهذا النظام، وبالتالي مدى مساهمته في تطوير العمل الزراعي.

وتجدر الاشارة، هنا، الى أن بعض الخدمات الزراعية الحكومية في بلدان "العالم الثالث"، تأثرت بشكل واضح، من أساليب العمل والمناهج التي امتازت بها المنظمات الأهلية العاملة في المجال الزراعي، مثل أسلوب المشاركة والتقييم الأولي السريع.



أخيرا، لا بد من التنويه الى أن التمويل الأجنبي والدولي للقطاع الزراعي هامشي وغير ذي أهمية. ومما لا شك فيه أن "المساعدات" والقروض الغربية المنوحة للفلسطينيين (سلطة ومؤسسات غير حكومية) ليست أكثر من "مساعدات" سياسية شكلية في جوهرها تهدف الى ما يسمى "دفع مسيرة السلام" المتعثرة، ولا علاقة لها ببناء البنية التحتية والتنمية الفعلية على الأرض. إذ أن القطاعات التي يتم اختيارها للاستثمار الأجنبي والمشاريع المرشحة للتمويل يحددها أساسا "المانحون" بالاتفاق مع البنك الدولي واسرائيل. لهذا لا يحول "المانحون" سوى "مساعدات" هامشية باتجاه الاستثمارات الانتاجية في قطاع الزراعة. إذ بينما حصل ما يسمى ببرامج "الديمقراطية" و"حقوق الانسان" على 68.91 مليون دولار من أصل 1527 مليون دولار دفعتها الدول "المانحة" في الفترة الواقعة بين أيلول 1993 وأيار 1997 (أي أكثر من 4.5% من إجمالي المبلغ المدفوع في الفترة المذكورة)، فقد خصص لقطاع الزراعة، في نفس الفترة، 18 مليون دولار، أي أقل من 1.2% من إجمالي "العون الدولي"(110).

إن تجاهل وتهميش القطاع الزراعي ناتجان عن كونه مرتبط أساسا بالأرض والمياه وبالتالي فان "المانحين" غير معنيين بتجاوز الاتفاقات الاسرائيلية - الفلسطينية التي أبقت السيادة السياسية على الأرض والمياه لاسرائيل.