مشاهدة النسخة كاملة : بحث بعنوان الاقتصاد غير الرسمي


Eng Abu Yazen
19-09-2007, 10:16
الاقتصاد غير الرسمي:

يعتبر التوجه التنموي الزراعي غير الرسمي بمثابة مقاومة وطنية من أجل الصمود الاقتصادي، ويجوز لنا إدراجه في ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي الذي من الطبيعي أن يزداد قوة في ظل البطالة المرتفعة وتدني معدل الأجور وارتفاع الأسعار. وبالرغم من أن النشاط الاقتصادي عبارة عن النشاط الذي يضيف قيما مادية معينة، إلا أن الاقتصاديين الرسميين لا يقرون تقليديا بهذه القيم المادية إلا في حالة إمكانية قياسها سعريا في السوق عندما تباع السلع أو الخدمات لشخص أو جهة ما. لكن هذا التعريف للقيمة المضافة محدود وغير كاف لأنه يتجاهل النشاط الاقتصادي – الاجتماعي في اطار الاقتصاد غير الرسمي، كالنشاط التطوعي، العمل الزراعي النسائي غير المأجور، البستنة، النشاط الانتاجي المنزلي وغير ذلك. إذ أن أي شخص يأكل الخضروات التي زرعها في حديقته المنزلية أو يقدم بعضها مجانا لجيرانه، فاءنه في الواقع يعمل على خلق منتج ذي قيمة محددة لا يعترف بها "اقتصاد السوق" الذي يتعامل فقط مع النشاط التجاري الذي يتم من خلاله عرض السلع والخدمات في السوق حيث تتم المتاجرة بها بأسعار متفق عليها بين البائع والمشتري.



إجمالا، فان طبيعة السكن الريفي مناسبة أكثر من المدينة لممارسات الاقتصاد غير الرسمي المنتج والمكتفي ذاتيا، حيث بالامكان أحيانا كثيرة، الاستفادة من قطعة أرض للزراعة، من غرفة أو أكثر غير مستغلة، من كراج أوسقيفة وغيره. هذا لا يعني أن لا وجود في المدينة لمثل هذه الامكانيات، وإنما في حالة انعدامها فبالامكان تنظيم نشاطات مجتمعية منتجة تشارك فيها عدة عائلات أو أفراد.



ملاحظة حول مفهوم "التنمية المستدامة":

يعتبر تعريف "براندلاند" (عام 1987) للتنمية "المستدامة" ("تلبية احتياجاتنا الحالية دون المساومة في احتياجات الأجيال القادمة")(63) والذي يكرره معظم دعاة "التنمية المستدامة"، غير كاف. إذ أن جزءا صغيرا فقط من مجمل السلع الاستهلاكية في الدول الصناعية يمكن اعتباره فعلا "احتياجات". علما بأن انتاج معظم هذه السلع يعني مزيدا من تدمير البيئة والتربة. وكذا الحال لدينا، وإن بمدى أقل بكثير، حيث أن جزءا هاما من السلع التي نستهلكها (وغالبيتها مستوردة من اسرائيل والخارج) لا تشكل "احتياجات" أساسية وحيوية وبالتالي يمكننا الاستغناء عنها، مساهمين بذلك ليس فقط في تخفيف التدهور المتواصل في التوازن البيئي، وإنما نقلل أيضا من تسريب الفائض المالي المتراكم لدينا للخارج، وبالتالي إعادة استثمار هذا الفائض داخليا، استثمارا منتجا ومستداما.



ماهي الاستراتيجية الزراعية المعتمدة على الذات؟

في إطار التفتيش عن فرص الاستثمار في القطاع الزراعي، غالبا ما يتم تجاهل الممارسات والتجارب والأنماط الزراعية الطبيعية المتنوعة والمتداخلة التي لم تميز تقليديا، فلسطين، فحسب، بل ميزت أيضا سائر أنحاء الوطن العربي. ويكمن سبب هذا التجاهل، الى حد كبير، في مصلحة شركات الكيماويات والمعدات الزراعية "الحديثة" والبذور، فضلا عن مصلحة مؤسسات التمويل الدولية، في إحباط أي توجه تنموي يكون نتيجته التخلص من كابوس الكيماويات والتبعية لمستلزمات الانتاج الزراعي المستوردة، وبالتالي خسائر كبيرة في أرباح هذه الشركات والمؤسسات. علما بأنه، منذ احتلال عام 1967، حدث في المجتمع الفلسطيني (بالضفة والقطاع) انحراف كبير، من انتاج الغذاء المتنوع والمكتفي ذاتيا (في الريف الفلسطيني)، الى التبعية الاقتصادية والغذائية لاسرائيل. إذ امتلك معظم العائلات الريفية، قبل الاحتلال، أرضا خصبة غنية بالخضروات ومشجرة بالأشجار المثمرة والزيتون، فضلا عن بعض الدواجن والأغنام أو الماشية(64). وتميزت أنماط الانتاج الزراعي، آنذاك، بالتنوع الكبير والتداخل الذي عنى إقامة علاقات مفيدة بين مكونات وحدة الانتاج الزراعي والتقليل الى الحد الأدنى من المدخلات الخارجية والمخلفات الضائعة (بدون استعمال). حيث استخدمت بقايا المحاصيل لتغذية الحيوانات، واستعمل أهل الريف روث الحيوانات لتسميد حقولهم، وقاموا أحيانا بتحضير الزبل العربي أو "الدبال" من خليط الروث والمخلفات العضوية الأخرى(65). كما أتاح العديد من المزارعين للرعاة بأن يرعوا ماشيتهم في الحقول التي تم حصادها، وبالتالي تسميدها. وشاعت أيضا ممارسة "تعاقب" المحاصيل المختلفة وتداخلها التكافلي في نفس قطعة الأرض، وخاصة تلك المحيطة مباشرة بالمنزل(66). فضلا عن امتداد التنوع الزراعي ليشمل المناخات المحلية وأصناف التربة والمحاصيل المختلفة في إطار مترابط وتكاملي(67). الأمر الذي قلل كثيرا من احتمالات الخسارة، ووفر للمزارعين دخلا وأمنا غذائيا مضمونين.



وفيما عدا بعض المناطق، كالأغوار، تميزت الزراعة الفلسطينية بكونها بعلية وقليلة المدخلات الخارجية(6:cool:، ووفرت اكتفاءا غذائيا ذاتيا للعائلات الريفية، بل وأنتجت بعض الفائض للتصدير (كالقمح مثلا)(69). كما أن المَزارع لم تنتج تلوثا، لأن كل أو معظم مخلفات ومخرجات المزرعة كان يعاد تدويره في نطاق المزرعة نفسها(70).



والحقيقة أن الزراعة البعلية لدى العديد من مزارعينا (مثلا، في منطقتي رام الله وسلفيت بالضفة الغربية)، لا زالت، جزئيا، تنسجم مع اتباع النمط الزراعي الطبيعي (التقليدي) الذي يعني بأن تبعية أولئك المزارعين لمدخلات الانتاج الخارجية وللتكنولوجيا الزراعية "الحديثة"، من ناحية الصيانة وقطع الغيار والكيماويات وغير ذلك ليست كبيرة(71) . لهذا لا بد من تشجيع هذا الواقع الايجابي، عبر تشجيع استخدام الأدوات والآلات الزراعية البسيطة والمصنعة محليا في الحراثة والري والتقليم والحصاد وغيره، فضلا عن تشجيع استخدام الحيوانات. بمعنى تطوير أو نقل التكنولوجيا المناسبة للزراعات الطبيعية والبعلية.



بالاضافة، فان المزارعين الذين لا زالوا يتبعون النمط الزراعي التقليدي والطبيعي لم ينزلقوا لاستخدام الكيماويات المكثفة في الزراعة. كما أن تدوير أو إعادة استخدام المخلفات الزراعية وروث الحيوانات كسماد طبيعي للتربة أو كوقود للطوابين لا زال يشكل ممارسة شائعة لدى أولئك المزارعين وغيرهم(72). لهذا لا بد من تشجيع هذه الممارسة الزراعية والبيئية السليمة، من خلال تعميمها أو تطويرها لتشمل أيضا إعادة استخدام المخلفات الناتجة عن ذبح الحيوانات وفضلات الطعام وغيرها، بحيث يمكن تحويلها الى سماد عضوي ممتاز وبالتالي زيادة خصوبة التربة، وذلك عبر تشجيع أهل الريف، بشكل خاص، على عمل المكمورات الزراعية والأثلام الخصبة وغير ذلك. أو تحويل بعض المخلفات العضوية وفضلات الطعام الى غذاء للدواجن وغيرها.



لقد تضافرت عدة عوامل، في نفس الوقت، على تهشيم الممارسات الزراعية التقليدية والغنية السابقة. وتمثلت هذه العوامل أساسا في الاحتلال وما تلاه من مصادرات واسعة للأراضي ونهب لمصادر المياه، والتحول نحو العمل المأجور الرخيص في سوق العمل الاسرائيلي، والانزلاق باتجاه الزراعات الأحادية المكثفة وذات المدخلات الخارجية الكبيرة. والحقيقة أن المراعي القليلة التي لم "يغلقها" أو يصادرها الاحتلال، فقد رعت فيها الماشية لدرجة الاستنزاف(73).

علاوة على ذلك، فان مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المحيطة بالمستعمرات قد تم تلويثها وتدميرها بنفايات ومجاري الأخيرة، فضلا عن استنزاف وتلويث الموارد المائية.



وكنتيجة لزيادة عدد العاملين المأجورين في اسرائيل والاقتصاديات الأخرى وبالتالي هجرة الأرض الزراعية، وتحول المجتمع الفلسطيني الى مجتمع استهلاكي يشتري معظم سلعه من اسرائيل والخارج (الضفة والقطاع تعتبران أهم وأكبر سوق خارجي لاسرائيل)، فقد انعدم التراكم الرأسمالي المحلي الذي لم يعاد استثماره محليا في الانتاج الزراعي أو الصناعي. كما تآكلت، لدى الأجيال الشابة، المعارف الخاصة بالممارسات الزراعية التقليدية. وفي نفس الوقت، تسببت الزراعات الأحادية والمدخلات الخارجية المرتفعة (وخاصة في المناطق المروية) وأصناف البذور الغريبة (المهجنة) التي حلت مكان البذور البلدية، في تآكل التنوع والتداخل اللذين سادا أنماط الانتاج السابقة، وبالتالي اختلت ميكانزمات السيطرة البيولوجية والايكولوجية الطبيعية على الآفات، الأمر الذي أدى الى هجوم آفات زراعية جديدة وكثيرة لم نعرفها قبل سنوات قليلة خلت، وتفاقم استخدام الكيماويات الزراعية المستوردة من اسرائيل، وتلاشت تقريبا طرق تخصيب التربة التقليدية الناجحة(74). كما أخذ مربو الثروة الحيوانية يشترون الأعلاف ومركزاتها من اسرائيل(75). وبالمحصلة ارتفعت كثيرا، تكاليف الانتاج وتفاقمت مديونية العديد من المزارعين، وفقد المجتمع الفلسطيني، الى حد كبير، أمنه الغذائي.



وما دام هذا هو واقعنا الاقتصادي – الزراعي (الغذائي) الحالي، فان الهدف الأول لآية استراتيجية تنموية يفترض أن يكون ضمان الأمن الغذائي للناس، وبالتالي فان أي اعتبارات اقتصادية أخرى، كزيادة الصادرات أو الاستثمار في قطاعات اقتصادية أخرى يجب أن تكون هامشية أمام هذا الهدف الاستراتيجي المصيري والحاسم. علما بأن المؤسسات الدولية (البنك الدولي) واسرائيل وأدواتها المحلية، تمارس على مزارعينا ضغوطا متعددة الأشكال، وأحيانا عبر تقديم بعض الاغراءات الربحية الآنية، ليتحولوا الى الانتاج الزراعي الأحادي (التصديري)، بذريعة الحاجة الى "العملات الصعبة" و"تصحيح" ميزان المدفوعات.



ولتحقيق أمننا الغذائي لا بد من وصولنا الى درجة انتاج كل احتياجاتنا الغذائية الأساسية وبالتالي تحقيق استقلالنا الغذائي (والاقتصادي) عن اسرائيل. فضلا عن انتزاع سيادتنا السياسية على أرضنا ومصادرنا وشؤوننا الحياتية. وبالرغم من أن هدف تحقيق سيادتنا السياسية لا زال بعيد المنال، إلا أن هدف تحقيق الاستقلال الغذائي يعتبر أقرب منالا وأكثر واقعية، كما أنه يشكل مفتاحا للتحرر السياسي.

وبامكاننا القول، إن البديل للسياسات والممارسات الاقتصادية – الزراعية المهيمنة حاليا، والتي لا تعمل سوى على تعميق تبعيتنا وانعدام أمننا الغذائي، يتمثل في اتباع استراتيجية انتاجية تستند الى مواردنا وتجاربنا وتقاليدنا الانتاجية المحلية الغنية (وتطويرها) أولا، وإنتاجنا الغذاء بهدف استهلاكه محليا (خاصة مع التزايد السكاني المتواصل) ثانيا، وإعادة التدوير المحلي للرأسمال، ثالثا.يتبع

Eng Abu Yazen
19-09-2007, 10:22
التحرر من التبعية لمدخلات الانتاج الخارجية:

إن تحليل مجمل المشاكل التنموية في الضفة والقطاع والسياسات والاستراتيجيات الاقتصادية القائمة التي ينطلق معظمها من حقيقة كون الاقتصاد الفلسطيني ملحق بالاقتصاد الاسرائيلي والتي لا تسهم، غالبا، سوى في تعميق هذا الالحاق، يقودنا الى ضرورة إجراء عملية إعادة بناء لتفكيرنا التنموي، باتجاه البحث عن جذور الأزمة أو المشكلة التنموية والخروج بتصورات شاملة ومتماسكة عن مجمل المسائل التنموية المعالجة، وبالنتيجة ترجمة هذه التصورات من قبل الجهات والمؤسسات المعنية الى قرارات ومواقف فعالة وعمليات تغيير وتطوير نوعية في المجالات الانتاجية.



على الصعيد الزراعي، تحديدا، فان ما يميز الانتاج الزراعي الفلسطيني، بشكل عام، هو اعتماده على مدخلات الانتاج المكلفة من خارج المشاريع الزراعية، بمعنى ارتفاع كبير في تكاليف الانتاج وبالتالي ارتفاع أسعار المخرجات. من هنا تنبع الحاجة الى تشجيع أنماط الانتاج الزراعي المتداخلة والتي تستفيد من التقاليد والممارسات الزراعية الطبيعية والعضوية المتمفصلة داخليا وقليلة المدخلات الخارجية. ويعتبر هذا التوجه شرطا أساسيا وضروريا لفك الارتباط بالمدخلات الخارجية من اسرائيل وغيرها وضمان التنوع الانتاجي والأمن الغذائي.



وبالملموس، فان المطلوب، إذا أردنا حقا فك الارتباط غذائيا واقتصاديا باسرائيل وضمان التنوع والأمن الغذائيين، التخطيط لأنماط زراعية تتجنب استخدام الكيماويات وبالتالي تقليل التلوث والأضرار على البيئة والتربة والموارد المائية والانسان. كما لا بد من تطوير أنماط زراعية بيئية (منسجمة مع البيئة والطبيعة)، بحيث يتاح للعلاقات والعمليات الطبيعية أن تأخذ مجراها وبالتالي صيانة وتحسين خصوبة التربة والتحكم الفعال والصحي بالأمراض والآفات والأعشاب الضارة. وهنا تأتي أهمية تشجيع المزارعين على العودة الى انتاج واستخدام البذور البلدية. علما بأن هناك، حاليا، في الضفة والقطاع ندرة حقيقية في معظم أصناف البذور البلدية، بل وأحيانا اختفاء بعضها نهائيا. إذ ومنذ سنوات طويلة عمدت شركات البذور المهجنة والكيماويات الى إخفاء بذورنا البلدية من السوق، لتحل مكانها البذور المهجنة. علما بأن النباتات النامية من البذور البلدية تمكن المزارعين من جمع وتخزين البذور للموسم القادم، من نفس النباتات وثمارها، الأمر الذي لا يمكننا القيام به في حالة النباتات النامية من البذور المهجنة التي تلزم المزارع أيضا على شراء الأسمدة والمبيدات الكيماوية الضرورية لنمو النباتات من البذور المهجنة التي تسبب تآكلا متواصلا في خصوبة التربة. بينما البذور البلدية تنمو جيدا مع السماد البلدي. بمعنى أن المصلحة التجارية الأنانية بالدرجة الأولى هي التي تقف وراء إغراق السوق المحلي بالبذور المهجنة وما يلزمها من كيماويات. ومن المعلوم أن البذور البلدية مناسبة لظروف مناخنا الجاف أو شبه الجاف ولا تحتاج الى مياه كثيرة، بعكس البذور المهجنة. من هنا تنبع أهمية عودة المزارعين الى انتاج البذور البلدية سنويا بأنفسهم بهدف إعادة استخدامها في الموسم التالي، وخاصة في زراعات الحبوب والخضروات. علما بأنه قبل نحو اثني عشر سنة كان العديد من مزارعي منطقة نابلس يعتمد على البذور والأشتال البلدية التي يوفرها بنفسه والتي تتميز بكونها أقل انتاجا ولكنها أكثر مقاومة للأمراض(76). وإجمالا يفترض المزارع بأن البذور والأشتال المهجنة تعطي انتاجا أكبر وزراعتها أسهل، متجاهلا استهلاكها كمية كبيرة من المياه وحاجتها الى الأدوية والأسمدة الكيماوية الضارة بالتربة وغيرها الكثير من الخدمات(77).



وليس أمرا مستحيلا إرجاع البذور البلدية. إذ بامكان كل مزارع تكوين هذه البذور التي تتوفر لدى العديد من بيوت المزارعين الذين يستخدمونها على مستوى بيتي. إلا أنه، وبسبب الاتكالية على البذور والأشتال الاصطناعية، نظرا لسهولة الحصول عليها من السوق، فاننا لا نحمل أنفسنا عناء إنتاج البذور البلدية وفق الطرق التقليدية المعروفة(7:cool:. فعلى سبيل المثال، شتلة البندورة المهجنة التي نشتريها من السوق لا تعطي ثمارا كما الشتلة البلدية، بالرغم من نمو الشتلة الاصطناعية السريع والقوي والتي تبدو كالشجرة الجميلة، إلا أنها تنتج كمية أكبر من الثمار لمدة محدودة في الموسم وعلى دفعة واحدة، أو، أحيانا، على دفعتين ومن ثم تتوقف. بينما يبقى انتاج شتلة البندورة البلدية لمدة أربعة أشهر أو أكثر(79). علما بأن تكلفة الانتاج لدى استخدام البذور المهجنة أكبر. علاوة على أن الشبكة الجذرية للأشتال المهجنة لا تخترق التربة بعمق، كما في حالة الأشتال البلدية التي تتمدد جذورها بعمق وبقوة أكبر لتفتش عن الرطوبة في باطن الأرض، حتى وإن لم نروها(80). وعلى سبيل المثال، فان عمق امتداد شبكة جذور الفقوس والبندورة البلديتين، يكون بقدر طول الساق لغاية آخر برعم(81). بينما الأشتال المهجنة التي لا نعرف أصلها فتكون جذورها قصيرة، خاصة وأننا لا نملك كميات كافية من المياه(82). إذن في الزراعة البعلية والمتداخلة يفضل استخدام البذور البلدية.



والأهم من كل ما ورد، ضرورة التعامل مع الجوانب والآثار الاجتماعية والأخلاقية لأي نمط زراعي، بما لا يقل أهمية عن حسابات الربح والخسارة المالية البحتة.



وفي هذا السياق، من الضروري تثبيت النظام الزراعي المتداخل الذي يعني إقامة العلاقات المفيدة بين مكونات وعناصر النظام. بمعنى تحديد احتياجات (أو مدخلات) ومخرجات كل مكون من مكونات المشروع الزراعي وبالتالي تحديد كيفية الترابط التكاملي داخليا بين مختلف المكونات. إذ كلما ازداد الترابط بين مختلف مكونات وحدة الانتاج الزراعي قوة، كلما ازداد النظام الزراعي البيئي استقرارا وقدرة على التكيف مع التغيرات الطارئة(83).

وليس المقصود هنا إدخال عناصر خارجية ومدخلات جديدة للنظام الزراعي، بل البدء باعادة تنظيم مكونات وموارد الوحدات الزراعية القائمة، بحيث يبقى تدفق الموارد والطاقة في نطاق نفس النظام. ولهذا الغرض، لا بد من تحديد الاستعمالات الممكنة للعديد من مخرجات النظام الزراعي غير المستفاد منها حاليا والتي قد تقذف باعتبارها "نفايات" وبالتالي تساهم في تلويث الأرض والبيئة. ومن ثم، تحديد المدخلات اللازمة للنظام الزراعي والتي يتم تلبيتها، حاليا، من خارج الوحدات الانتاجية نفسها. وأخيرا، ربط مدخلات ومخرجات نفس النظام ببعضها البعض، عبر تحديد المدخلات اللازمة لمكونات معينة في النظام الزراعي والتي بامكان المخرجات الناتجة من المكونات الأخرى في نفس النظام تلبيتها(84). بمعنى أن التصميم الجيد للوحدة الزراعية، على أساس تكامل وتداخل عناصرها المختلفة، بحيث يقوم كل عنصر بداخلها بعدة وظائف في نفس الوقت، وبحيث تلبي عناصر مختلفة احتياجات وظيفة واحدة محددة، يعتبر مفتاح النجاح للانتاج الزراعي المتنوع والمكتفي ذاتيا، فضلا عن تجنب المنافسة بين المحاصيل وبالتالي توفير الظروف المناسبة التي تضمن منع تآكل التربة أو دمار المحاصيل الناتج عن العوامل الطبيعية (الرياح، الصقيع، الجفاف…الخ) أو غير ذلك(85). مثلا، الأغنام تشكل مصدرا للطعام ولتخصيب التربة وللدخل وغيره. أما وظيفة تخصيب التربة فيمكن إنجازها عبر إضافة مهاد أوراق وأغصان الأشجار، السماد، الغطاء العضوي وغير ذلك(86). كما بامكاننا تنويع زراعة الزيتون بشكل متداخل وتكاملي مع بعض المحاصيل العلفية والأعشاب المفيدة وغيرها(87). بمعنى الاستفادة القصوى من مساحات الأراضي المتاحة، وفي نفس الوقت، تجنب المنافسة بين المحاصيل على الضؤ والموارد الأخرى(8:cool:. كما أن زراعة الأشجار ومصدات الرياح (البلوط مثلا)، على طول حدود الأرض الزراعية يمكنها أن تلعب دور الأسيجة الواقية من الحيوانات الضارة للمحاصيل وصد الرياح(89). علما بأن الأشجار المزروعة على طول الجدران الاستنادية (الخروب، البلوط والعنب مثلا) تزيد من القدرة على التحكم الفعال بجريان المياه وبتآكل التربة(90). فضلا عن استفادتنا من ثمار وأوراق نفس الأشجار (العنب وورقه مثلا) وخشبها (كوقود: البلوط والخروب وغيرهما) وقشورها وأوراقها كعلف حيواني (قشور وأوراق الخروب مثلا)(91). ناهيك أن زراعة النباتات البقولية تزيد من قدرة التربة حولها على الاحتفاظ بالمياه والمغذيات(92). وفي مثل هذا النظام، تشكل الأعشاب المزروعة أعلافا خضراء في الشتاء، كما بالامكان حصادها، في بداية الربيع وتخزينها كعلف (تبن وغيره)، الى جانب الاستفادة من قشور وأوراق الخروب والجفت ومخلفات تقليم أشجار الزيتون وغيرها، كأعلاف أيضا(93).

علاوة على ذلك، لا بد من تنظيم عملية الحصاد المائي لمياه الشتاء المتدفقة والضائعة عبر الصخور والمنحدرات وغيرها، وتوجيهها عبر قنوات الى البيارات أو الأشجار المتفرقة. وبهدف منع تنافس الأعشاب الضارة مع أشجار الزيتون، من المفيد تغطية محيط الأشجار بالغطاء العضوي الذي يمنع نمو الأعشاب ويصون بنية التربة ويحافظ على رطوبتها الداخلية، علما بأن الغطاء العضوي الجيد قد يغنينا عن الحراثة(94).



بالاضافة، بامكان مجموعات أسرية معينة تهتم بزراعة أراضيها، الاستفادة من الروث الناتج من مجموعات أسرية أخرى. وهذا ينطبق أيضا على مخلفات المطبخ والمياه العادمة وغيرها. بمعنى تقوية العلاقات الانتاجية المتكاملة والمفيدة بين وحدات الانتاج الأسرية المختلفة وبالتالي تقليل التبعية للمدخلات الخارجية.

كما بالامكان إحياء تقاليد التداخل الزراعي، كرعي الحيوانات مثلا في الحقول بعد حصادها. فضلا عن التحضير الجماعي (الأسري) للدبال في مواقع متفق عليها بين الأحياء (في القرية أو المدينة)، أو حتى زراعة بعض الأراضي غير المستفاد منها حاليا بالمحاصيل العلفية.

كما هناك بعض الأشجار الشائعة في بلادنا والتي بامكاننا الاستفادة من مكوناتها ومخلفاتها، كأشجار الصبر، مثلا، التي، وبالاضافة لثمارها أو لكونها "سياجا" طبيعيا واقيا حول الأراضي، فباستطاعتنا أيضا استعمال أوراقها، بعد تجفيفها، كوقود للتدفئة وغيرها، وبالتالي التقليل من أو استبدال جفت الزيتون كوقود للطوابين وغيره والاستفادة منه أكثر كمكون من مكونات العلف الحيواني(95).



إجمالا، الزراعات المتداخلة والمتنوعة تترك آثارها المفيدة على مجمل الانتاج الزراعي وتقلل من احتمالات المخاطرة، بالاضافة لمنع تسرب جزء هام من المغذيات المفيدة للتربة الى خارج الوحدات الانتاجية، بل ضمان إعادتها كمغذيات للأرض(96). مثلا، بامكاننا دائما زيادة تدفق المغذيات والموارد من قطعة أرض لأخرى، كنقل مخلفات أشجار الزيتون (بقايا التقليم والأوراق) الى الأراضي الزراعية الخصبة التي تحتاج لهذه المخلفات العضوية كمغذيات للتربة، فضلا عن الاستفادة من الأزبال (على شكل دبال) ورماد الطوابين لتسميد التربة وتليينها(97).

علاوة على ذلك، أثبتت بعض التجارب بأن لمحاصيل معينة (التي تتحمل الحياة في هوامش الأراضي غير المستغلة) القدرة على زيادة الجدوى الاقتصادية لانتاج الزيتون، ومن هذه المحاصيل، على سبيل المثال، بعض الأعشاب الطبية، اللوزيات، الرمان والتين(9:cool:.



وعلى مستوى قطري، الانتاج الغذائي المتنوع والمتداخل، لا يعني الاستفادة من المخلفات الزراعية والغذائية في النطاق الزراعي أو البيتي فقط، بل يشمل أيضا كميات ضخمة من مخلفات الصناعات الغذائية التي تختزن طاقة تحويلية كبيرة، ومع ذلك فانها تقذف في المزابل، كنفايات. إذ أن إعادة استخدام معظم هذه "النفايات" لا يتطلب استثمارا ماليا كبيرا أو تكنولوجيا معقدة. مثلا بامكاننا الاستفادة، جزئيا، من لب الحمضيات الناتج من صناعات العصائر، بعد تجفيفه ومعالجته، كعلف حيواني(99). كما أن بعض الباحثين المحليين يؤكد بأن أوراق أشجار الموز (في الغور) بامكانها أن تشكل مصدرا جيدا للألياف والمعادن للحيوانات، علما بأن أشجار الموز، عندما تهرم، يتم قطعها وإتلافها(100). والغريب في الأمر أننا نستورد من اسرائيل ليس فقط مكونات الأعلاف الخام، بل أيضا بعض المنتجات الزراعية الجانبية التي تعلف بها الأغنام، كقشور اللوزيات الخضراء (اللينة) مثلا، علما بأن اللوزيات البلدية كانت في الماضي غير البعيد من الزراعات الفلسطينية الرئيسية، وبالتالي بامكاننا إحياء وتكثيف زراعتها بهدف الاستفادة من مخلفاتها كمصدر علفي محلي(101). ناهيك عن آفاق استخدام مخلفات عصر الزيتون السائلة كجزء هام من مكونات الغذاء الحيواني.



وبشكل عام، بامكاننا إعادة تدوير استخدام معظم نفايات المدن ومخلفات التصنيع العضوية والفضلات البشرية لدينا، كمغذيات عضوية للتربة، بعد معاملتها بالطرق المناسبة والسهلة وغير المكلفة. إذ أن النفايات الناتجة عن الصناعات الغذائية، غالبا، لا يتم التخلص منها بطرق سليمة بيئيا وصحيا، وبالتالي تتحول الى مصدر أذى للصحة العامة، ناهيك عن فقدانها لقيمتها، كمصدر عضوي هام، بامكاننا إعادة استخدامه في الزراعة. إذ بامكاننا تطوير قطاع صناعي متخصص باعادة تحويل المخلفات العضوية بشكل عام ومخلفات التصنيع الغذائي أو الزراعي بشكل خاص. مثلا، بامكاننا تحويل الجفت (من مخلفات عصر الزيتون) الى مواد علفية أو أن نستخرج منه الفحم وغير ذلك(102). كما يمكننا الاستفادة من مخلفات عصر الزيتون السائلة في صناعة مواد التجميل(103). ناهيك عن بقايا القشور في مصانع العصير أو مخلفات تصنيع الحمضيات ("مولاس" القشور مثلا) التي بامكاننا إعادة استخدامها كعلف حيواني ذي قيمة غذائية مرتفعة، علما بأن روث وبول الحيوانات المسمنة تسمينا طبيعيا جيدا يشكلان سمادا ممتازا للتربة(104). ومن المجدي أيضا العمل على استخراج وتصنيع الزيوت النباتية من قشور الحمضيات وغيرها، فضلا عن إعادة تصنيع بذور الزيتون والحمضيات والفواكه، وإعادة تحويل بقايا الخضار التالفة وغير ذلك الكثير من آفاق الصناعات العضوية التحويلية(105).

وفي مواجهة مشكلة تصريف المخلفات الناتجة عن عمليات ذبح وتجهيز الدواجن ولتوفير نفقات التخلص من هذه المخلفات وبالتالي تأمين دخل إضافي للمسالخ ومحلات ذبح الدواجن، فبالامكان إعادة استخدام هذه المخلفات كغذاء جيد للدواجن (مصدر جيد من مصادر البروتين الحيواني)، حيث تعبأ (بعد معالجتها) وتباع لمزارع الدواجن كعلف (مسحوق مخلفات وريش)(106).

وحيث أن القسم الأكبر من نفاياتنا في الضفة والقطاع عبارة عن مواد عضوية (فضلات الطعام ومخلفات معاطات الدواجن والمسالخ، الورق، الشعر، الريش، نجارة الخشب، بقايا المحاصيل والخضار والفواكه التالفة…الخ) قد تصل الى أكثر من 60%، وفي المناطق الزراعية كطولكرم أو جنين مثلا فان النسبة أعلى بكثير من ذلك(107)، فبامكاننا تحويلها (المواد العضوية) الى "كمبوست" وغيره من أشكال السماد العضوي المخصب للتربة وبالتالي التخلص من الكيماويات في الزراعة، المكلفة والمدمرة للحياة في التربة والمسيئة لصحة الانسان والملوثة للبيئة وللمياه الجوفية. بمعنى تحويل الفضلات والنفايات العضوية الى ثروة غذائية للنبات والحيوان والتربة، وكل ذلك بدون تكلفة أحيانا أو بتكلفة زهيدة جدا، أحيانا أخرى.



ويكمن جوهر مبدأ تدوير المصادر المحلية في حقيقة أن المخرجات "الضائعة" أو النفايات الناتجة من أي نظام انتاجي أو استهلاكي، ما لم يعاد إدخالها الى نفس النظام واستعمالها ثانية كمدخلات فانها سوف تتحول الى تلوث. إذ أن أي منتج لا مجال لاعادة استعماله يعتبر خطرا بيئيا، وفي حالة عدم تحلله الى مادة(أو مواد) آمنة فسيبقى مشكلة بيئية وبالتالي صحية.



إذن، التنويع في الانتاجين النباتي والحيواني، وإعادة تدوير المصادر والمخلفات، والتعامل بيئيا بشكل أفضل مع الأراضي المتاحة، يعتبر أكثر جدوى، بيئيا وصحيا واجتماعيا واقتصاديا، ويشكل ضمانة أقوى للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والاستقلال الغذائي.



وفي الخلاصة، النظام الانتاجي المجدي والمعتمد على الذات هو النظام الذي يدعم نفسه بنفسه، بحيث أن احتياجات مكوناته المختلفة توفر من داخل النظام نفسه، وبالتالي فهو النظام الذي لا يعرف التبذير في الانفاق أو توليد المخلفات (الضائعة) التي لا يعاد استخدامها في نفس النظام وبالتالي تشكيلها ملوثات للبيئة وللصحة العامة.